السيد الطباطبائي
256
الإنسان والعقيدة
وأنّه لو أعرض عن ذكره ، وتعلّق بالأشياء ، لسلكه ذلك إلى عذاب صعدا ، ولا عذاب عند المحبّين إلّا حجاب البعد ، ولأضلّه القرين عن السبيل ، وحينئذ يتحقّق أنّ السبيل هو نفسه ، وطريقة التعلّق به للسلوك إلى ربّه ؛ لأنّ ربّه معه وقائم عليه محيط به . فعند ذلك ينقطع عن كلّ شيء إلى نفسه ، ويتعلّق بها ، ويصفّيها ، ويهذّبها بفاضل الأخلاق وصالح الأعمال ، والتحرّز عن الموبقات ، والفرار عن المهلكات ؛ لأنّه سبحانه يأمر بها ، ويحبّها لا لجنّة يطمع فيها ، ولا لنار يخاف منها ، بل لوجه اللّه ، لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا . كلّ ذلك وهو متعلّق بنفسه ابتغاء لقاء ربّه ، محدق بها ، متوجّه القلب إليها ليله ونهاره ، لكنّه لا يعطيها استقلالا ، ولا يدع لها تمكّنا ، وحاشاه ! وأنّى يقع صادق الحبّ على محبوبين ؟ وحقّ الطلب على مطلوبين ؟ بل المحبوب محبوب لذاته ، وكلّ ما يحبّه هو محبوب لأجله ، فهو المحبوب في نفسه وفي غيره . وأنت تعلم أنّ المحبّ لا يريد إلّا المحبوب يلوي ( يفرّ ) إليه من كلّ ما يصدّه عنه ، ويميل إليه من كلّ ما يشغله عنه ، لا همّ له إلّا الخلوة بمحبوبه والوصول إليه من كلّ حاجب يحجب عنه ، وكلّما مكث على وصفه ، اشتدّ وجده واشتعل نار شوقه ، وربّما دفعه الشوق إلى الغيبة عن نفسه ، وفنائها عن نظره ، والاشتغال فقط بربّه ، فلا يبقى إلّا وجه ربّه ذو الجلال والإكرام . وهؤلاء أيضا طبقة ، ومقامهم في العلم والعمل ما عرفت . وقد عرفت أنّ الفارق حقيقة بين هذه الطبقات الثلاث ، اختلاف حالهم في الإدراك ، وبذلك يفترقون في فهم المدلول من كلام واحد إلى مدلولين اثنين ، أو إلى ثلاث . فبيان الطريق ليس من شؤون الشرع ، وإنّما هو الفهم يختلف اختلافا .